القيادة الكردية، وقرار مجلس الشيوخ وقميص عثمان!

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
04/10/2007 06:00 AM
GMT



بات واضحاً اليوم، وبصورة جلية، ما توقعناه منذ صدور قانون إدارة العراق في المرحلة الانتقالية، والذي أصدره الحاكم المدني الأمريكي سيئ الصيت بريمر عندما زرع بذرة تمزيق العراق باسم الفيدرالية، بناءً على طلب وإلحاح من جانب القيادة الكردية.

وجاءت الانتخابات التي جرت بموجب قانون أصدره بريمر هو الآخر، وبصورة متعجلة في وقت لم يكن الشعب العراقي قد مارس الديمقراطية، وقد خرج تواً من ذلك الجحيم لنظام صدام الدكتاتوري الفاشي الذي لم يشهد خلاله الشعب العراقي نسيماً للحرية والديمقراطية، بل قمعاً دمويا وحشياً لسائر القوى السياسية، لكي يبقَ حزب البعث السيد الأوحد في الساحة العراقية .

وفي ظل هذا الوضع البائس، وفي ظل الجرائم الإرهابية التي بدأت تمارسها العصابات البعثية الصدامية في مختلف مدن العراق، في محاولة لاستعادة السلطة من جديد، مستخدمة كل ما أُتيح لها من وسائل القتل والتدمير والتخريب من السيارات المفخخة، والأحزمة والعبوات الناسفة، والاغتيالات والخطف والذبح، وغير من صنوف الجرائم الوحشية، جرت الانتخابات النيابية تحت الشعارات الطائفية والقومية التي أفرزت فوز تكتل الأحزاب الشيعية في جنوب ووسط العراق، وفوز قائمة الأحزاب الكردية في منطقة كردستان العراق، وكان التصويت قد جرى في واقع الحال لهذه الأحزاب كرد فعل على النشاط الإجرامي للعصابات البعثية التي سامتهم العذاب خلال تلك الحقبة التي امتدت قرابة الأربعة عقود، والساعية لاستعادة السلطة من جديد. فالشيعة صوتوا لطائفتهم والأكراد صوتوا لقوميتهم، وكانت كل الأجواء مهيأةً لهم .

أما القوى العلمانية، اليسارية منها والليبرالية، المقموعة فقد كانت تعاني من الضعف والتشتت، ولاسيما بعد رفض القيادات الكردية التحالف معها،وإصرارها على خوض الانتخابات منفردة، مما حال دون تحقيق نتائج مؤثرة في تلك الانتخابات، وبالتالي ضعف تأثيرها في تحديد مستقبل العراق.

وهكذا سارعت القيادات الكردية إلى التحالف مع قوى الإسلام السياسي الشيعي لتشكل الأكثرية في البرلمان، بعد أن وجدت أن مصالحها في ضمان تحقيق الفيدرالية تتفق مع مصالح المجلس الأعلى للثورة الاسلامية، والمرتبط بوشائج عديدة مع نظام طهران كما هو معروف للجميع، وتخلت القيادات الكردية عن توجهها نحو الديمقراطية، وعن حليفها الحزب الشيوعي الذي وقف إلى جانب القضية الكردية طوال عقود طويلة، ونادى بالحكم الذاتي لكردستان العراق والديمقراطية للشعب، وتحمل من السلطة البعثية الكثير من الأذى جراء موقفه هذا، ودعمه لحقوق الشعب الكردي في الحكم الذاتي آنذاك.

واستطاع التحالف الكردستاني والتحالف الشيعي الهيمنة على قرارات مجلس النواب، وعلى صياغة وإقرار الدستور، الذي جاء في جوهره نسخة من قانون بريمر للمرحلة الانتقالية، ليثبّتْ طموحات هذا التآلف بتقسيم العراق، وتمزيقه إلى دويلات الطوائف، مما أجج الصراع في الساحة العراقية، وأعطى المبرر للقوى البعثية وحلفائها من عناصر القاعدة لتصعّد من جرائمها بحق الشعب والوطن .

ورغم كل المحاولات التي جرت، وما زالت تجري، للوصول إلى حل لهذا الوضع المأساوي الذي يلف العراق جراء هذا الصراع، عن طريق المصالحة الوطنية إلا أن هذه المحاولات كانت وما تزال تصطدم بتمسك القيادات الكردية بقميص عثمان، هذا الدستور الطائفي التقسيمي الذي لا يمكن أن يقود العراق إلى شاطئ السلام، ولا بد من أجراء تعديلات جذرية في بنوده بما يحفظ وحدة العراق أرضا وشعباًً، ويحقق العدالة الاجتماعية بين سائر مكونات الشعب بصرف النظر عن القومية أو الدين أو الطائفة.

وجاء قرار مجلس الشيوخ الأمريكي اللاقانوني، رغم كونه غير ملزم، بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية، ليثير الخلافات، ويزيدها عمقاً في المجتمع العراقي، والذي نال تأييد ثلاثة أرباع أعضاء المجلس، أي أن نصف الأعضاء الجمهوريين قد صوتوا إلى جانب القرار الذي اعتمده الحزب الديمقراطي بزعامة جوزيف أيدن مرشح الرئاسة، مما يثير القلق في نفوس العراقيين مما تخبئه الإدارة الأمريكية الحالية والمقبلة لمستقبل العراق.

وسارعت القيادة الكردية لتلقّف هذا القرار الجائر، وأعلنت عن تأييدها له ، معلنة أن هذا القرار يتفق مع الدستور العراقي على الرغم من علمها أن هذا الدستور مختلف عليه من قبل جانب كبير من الشعب العراقي، وقد جرى الاتفاق على إعادة النظر في العديد من بنوده لتحقيق المصالحة الوطنية.

إن هذا الموقف المنفرد من جانب القيادة الكردية يستفز في واقع الأمر مشاعر الشعب، وبوجه خاص كل الحريصين على وحدة العراق وسلامته الإقليمية وحريته واستقلاله، ولم يجرأ حلفاء الكرد في قائمة التحالف الشيعي على التصريح بتأييده، بل لقد أثار القرار زوبعة في مجلس النواب، حيث رفضته سائر الكتل السياسية باستثناء الكتلة الكردية، وطالب النواب بإصدار قرار يمنع قبول تقسيم العراق.

إن القيادة الكردية تقترف خطأ جسيماً إذا استمرت في سيرها بهذا الطريق الخطر، الذي يمكن أن يهدد كل ما حققته من مكاسب خلال السنوات الماضية ،فالاحتلال الأمريكي لن يستمر إلى الأبد، لكن الشعب العراقي باق إلى الأبد، وعليها أن تعيد النظر في حساباتها إن هي أرادت مصلحة الشعب الكردي، وحقه في الفيدرالية التي ينبغي أن لا تمس وحدة العراق أرضا وشعباً، والكف عن إثارة النعرات العنصرية، وكراهية العرب، فنحن أبناء الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه وطوائفه نكن كل المحبة والمودة للشعب الكردي، ووقفنا إلى جانبه في أحلك الظروف، وتحملنا السجون والتعذيب والتضحيات الكبيرة من أجل أن ينال حقوقه المشروعة، لكن هذه الحقوق ينبغي أن لا تكون على حساب مكونات الشعب الأخرى، وفي مقدمتها الأغلبية العربية.

إن الطريق الصحيح المفضي لتحقيق طموحات الشعب العراقي بكل أطيافه هو طريق النضال من أجل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، لكي يعيش الجميع في هذا البيت الكبير كعائلة واحدة تغمرهم وشائج المحبة والتآخي القومي، وإبعاد الدين والطائفة عن السياسة، وتسخير الدين لتعميق أواصر الأخوة والمحبة بين سائر مكونات الشعب ، وأن سلوك أي طريق آخر لن يفضي إلا إلى الخراب والدمار وإراقة الدماء.